عصر التدفقِ المعلوماتي والتفاعلات الرقمية المتسارعة، تتعقد ديناميكيات التَّواصل البشري
وتتطور باستمرار. فلم يعد الفهمُ الحدسي للتفاعل الاجتماعي كافيًا لضمان فعالية التَّواصل في سياقه
الشخصي أو الاجتماعي.
وغنيٌّ عن التعريف أن التَّواصل الاجتماعي وجهًا لوجه أصعبُ بكثير من التَّواصل الإلكتروني،
فأنت تستطيع أن تقول ما يحلو لك بكل حريةٍ خلف مفاتيح الأحرف، فلا يوجد هناك من يراقب
انفعالاتك أو لغة جسدك، ولكن الأمر يختلف أمام البشر الحقيقيين، لأن الأشخاصَ يعتمدون في فهم
رسالتك من خلال لغة جسدك وليس كلامك المنطوق. وما أسهلَ الحياةَ في التَّواصل الإلكتروني، فأي
وتنتهي علاقتك معه، ولكنك كم ستعاني إذا اختلفت « بلوك » شخصٍ تختلف معه لا يحتاج منك سوى
مع شخص في العالم الحقيقي.
ويفتقد الكثير من البشر الأسسَ الصحيحة للتفاعل الاجتماعي الإيجابي نتيجة عدة ظروفٍ، أهمها
عدمُ تدريب اليافعين والشباب على المهارات الاجتماعية، سواءً في البيت أو في المدرسة، فمناهجنا
تفتقر- على سبيل المثال- إلى تدريبٍ ممنهج على مهارات الإصغاء الفعال، وقلة من الأهل من يدربون
أبنائهم على الإصغاء، لكن جميعنا تلقى من الأهل أو المدرسين أو الزملاء العديدَ من النصائح حول
أسلوب الحديث، ومهارة التكلم، مع أن الإصغاء هي مهارة أساسيَّة لا غنى عنها للشخص الذي يريد
أن يكون متحدثًا مؤثرًا ومقنعًا. وكذلك الأمر ينطبق على مهارات تأكيد الذات والتعاطف وغيرها
الكثير من مهارات التَّواصل والتفاعل الإيجابي.
10
لذا، يأتي هذا الكتاب ليجمع بين الأسس النظرية الراسخة في علوم الاتصال وعلم النفس
الاجتماعي، وأحدث التطبيقات العمليَّة المستمدة من واقع الحياة. وينقسم الكتاب إلى أجزاءٍ منهجية
تشرح نماذج التَّواصل، الحواجز النفسية واللغوية التي تعترضه، واستراتيجيات تطوير الذكاء التَّواصلي
والاجتماعي.
وجميع المهارات المستعرضة في هذا الكتاب هي مهاراتٌ أساسيَّة لإتقان التفاعل الاجتماعي
بشكلٍ إيجابي وبنّاء. ولكن قبل إتقانها لا بد من أن يمتلك الشخص آداب وأخلاقيات التفاعل الاجتماعي
الإيجابي.
ويتسم هذا الكتابُ بطابعٍ عملي تطبيقي، حيث حاولنا أن يكون عرضًا تطبيقيًا للواقع المعاش،
إذ تم استهلالُ كل فصل من الفصول بمجموعةٍ من الأمثلة الواقعية والسيناريوهات الحياتية لتقريب
مفهوم المهارة إلى الأذهان وكيف أن الأشخاص الذين لا يمتلكونها يكونون فاقدين لشيء ما في حياتهم،
وتم اتباعُ السيناريوهات بعرض نظرّي مبسط لأهم الأبحاث والأدبيات التي عالجت المهارة، ومن ثم
تم عرضُ مجموعةٍ من التمارين الفردية والجماعية والتي يمكن تطبيقها في قاعة المحاضرة أو خارجها؛
لكي يتدرب الشخص عليها بشكلٍ واقعي وليس نظري. وفي نهاية فصل من فصول المهارات السبع كان
هناك جزءٌ عملي على شكل نصائح سلوكية عامة لكي يطبقها الشخص أثناء تفاعله الاجتماعي.
درهمُ وقايةٍ خيرٌ من قنطار » وتأسيسًا على ذلك، ينطلق هذا الكتاب من الحكمة المشهورة
ليقدم ،« إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » : ومن حديث الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ،« علاج
للقارئ العربي التوجهاتِ الحديثة بتسخير علم النفس لتقديم النصائح والإرشادات في تطوير القدرات
والمهارات والتنمية البشرية للشباب وذلك من خلال تطوير السلوكات الإيجابيَّة فيهم وصولًا إلى
الشخصية المعتدلة والمتوازنة